علي الهجويري
127
كشف المحجوب
وبما أن اللّه تعالى لا ينال في الدنيا والآخرة . فان قلب العاشق لن تهدأ ضربات الحب فيه ، وبما أن الغفلة حرام على عاشقيه ، فان قلوبهم لن تهدأ عن طلبه ، وهذا مبدأ ثابت من مبادئ الطريق لدى المحققين واللّه أعلم بالصواب . 8 - ومنهم ملك أهل الحضرة ووالى ولاية الوصال أبو علي الفضيل بن عياض وكان في أول أمره من جملة الصعاليك والشطار ، ثم كان من كبار الصوفية ، وله في المعاملة والحقائق حظ وافر ، ونصيب كامل ، وهو من مشهوري هذه الطائفة ، لأنه على كل لسان بين الأمم ، وأوقاته معمورة بالصدق والإخلاص . وكان في بداية أمره قاطع طريق بين مرو وأبيورد ، ولكنه كان يميل دائما إلى التقوى ، وأظهر ميلا كبيرا نحو الفتوة ، بحيث كان لا يهاجم قافلة فيها نساء ، ولا يأخذ شيئا ممن قل ماله ، وكان يترك لكل مسافر نصيبا مما لديه حسبما يحمل كل منهم من متاع . وفي يوم اتجه تاجر في طريقه إلى مرو ، فنصحه أصحابه أن يأخذ معه حراسا ، ولكنه قال لهم : « لقد سمعت أن فضيلا يخشى اللّه » وبدلا من أن يأخذ معه حراسا استأجر مقرئا يقرأ القرآن وأركبه جملا ، وأمره أن يجهر بقراءة القرآن في الليل والنهار ، طوال الرحلة . وعندما وصلوا حيث فضيل يختبئ كان المقرئ يتلو قوله تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ « 1 » ، فرق قلب فضيل ، وتاب عن عمله ، وظهرت العناية الإلهية لروحه ، وكان قد كتب قائمة بأسماء من سطا عليهم فأرضى كل واحد منهم ، ثم ذهب إلى مكة ، واستقر بها فترة من الزمن ، واتصل بعدد من أولياء اللّه ، ثم ذهب بعدها إلى الكوفة ، حيث اتصل بأبى حنيفة فترة . ولفضيل من الأثر ما يقدره أهل السنة ، كما أن له حكما عالية عن
--> ( 1 ) سورة الحديد : آية 16 .